
قِصةُ إِسَالَةِ عَيْنِ القِطْر لِسُلَيْمَان
(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ)
بعد حديث الله سبحانه عن المواهب الإلهية لداوود(ع) شرع بالحديث عن المواهب لسليمان.
فقد سخّر الله للأب مادة صلبة(الحديد) تلين بين يديه العجين يصنع منها الآلات الحادة وذات البأس، وسخّر للإبن مادة رقيقة وهي الهواء الذي كان يجري بأمره حيث كان باستطاعته أن يحرك بالهواء السفن الكبيرة والطواحن ويطير به من مكان إلى مكان فيقطع المسافات الشاسعة بأقل وقت ممكن، وكان ذلك تسهيلاً له لإدارة شؤون ملكه وآية من آيات ربه.
وقبل الشروع في بيان موخبة إسالة القِطر تجدر الإشارة إلى معنى ما ورد في أول الآية الكريمة التي أشارت إلى غدوّ الريح شهر ورواحها شهر.
لقد هيّأ الله لنبيّه وسيلة نقل سريعة حتى يتفقد جميع أرجاء مملكته الواسعة، وكانت الريح تقطع به مسافة شهر من المسير في يوم واحد.
ثم أشارت الآية إلى موهبة إلهية ثانية استعملها سليمان في تطوير البناء والسلاح وصناعة المباني الكبرى والزخارف الجميلة، وهي النحاس السائل.
ولم تُشر الآية إلى أن الله تعالى قد علّمه إذابة النحاس أو أنه جعل له من الأرض عيناً سائلة من النحاس كالحمم البركانية، والله قادر على كل شيء، فلو كانت مصلحة مملكة سليمان تتطلب تفجير عين نحاس سائل لوهبه الله ذلك، وإن كان المصلحة في تذويبه فالأمر كذلك.
والمهم في الأمر هو أن الله تعالى منّ على سليمان بواسطة نقل سريعة وبمادة يقوّي بها مملكته من هذا السلاح والبناء والهندسة المعمارية.
والوجهان يصحان في المقام، وقد علّم الله عبده ذا القرنين من قبل كيف يذيب مادة النحاس ويغطي بها جدار السد المنيع الذي حجب به يأجوج ومأجوج في مكان لا يعرفه البشر.
ثم أشار الله سبحانه إلى موهبة ثالثة وهي تسخير الجن ليعملوا بأمر سليمان، فقد كانوا ينجزون من الأعمال في يوم ما لا ينجزه الناس في سنوات لأنهم أقوياء وسريعوا الحركة.
وما أريد أن أسلط الضء عليه في هذا المقام حتى نخرج بالدرس المستفاد هو كلامٌ يتعلق بحقيقة الموهبة الثالثة، وهي تسخير الجن.
فلا يمكن لبشرٍ أن يسيطر على الجن إلا بمعجزة من الله سبحانه، وما يدّعيه البعض من التواصل مع الجن في أيامنا الحالية إنما هو كذبٌ وافتراء حيث لا يمكن أن نتصل بهم إلا بمعجزة، والمعجزة لا تكون إلا لنبي.
أما الجن فهم مخلوقات سبق وجودهم وجود البشر على الأرض، وكثير من الخطابات القرآنية موجَّهة إلى الإنس والجن لأنهم مخلوقات عاقلة مكلّفون كالبشر تماماً، ومنهم المؤمنون ومنهم غير ذلك، وهذا ما تكفلّت ببيانه مفصَّلاً سورة الجن.
إنهم يسكنون في أماكن بعيدة عن البشر حيث وضع الله بيننا وبينهم حجاباً، ولا يمكن لأي بشر أن يخترق تلك الحجب إلا بمعجزة تخرق قوانين الطبيعة كما حصل لسليمان(ع).
فتحضير الجن بتلك الطرق الشيطانية إنما هو كذب وتضليل للناس البسطاء الذين يصدقون تلك الخرافات الخرافات.
والخلاصة هي أن الجن موجود ولكن لا تمكن رؤيتهم ولا يمكن التواصل معه إلا بمعجزة.
الشيخ علي فقيه

